عبد الله بن محمد المالكي

484

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

شيخ مبارك كلّما قلنا إنّا قربنا منه لم نزدد منه / إلّا بعدا . قال أبو الحسن : ولم يكن ( أحد ) « 172 » عند أبي إسحاق مثل ابن أبي زيد ولا أعزّ عليه منه . لكنه قد سدّ باب القبول عن نفسه ، فما كان يقبل من أحد شيئا . وكان يقول : ما تركت سائر « 173 » القبول - يعني الهدية - إلّا خوفا من شغل القلب ، إذ لا بدّ لكلّ من قبل هديّة من المكافأة ، وترك ذلك عندي أسلم ، فقيل له : فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يقبل الهديّة ، فغضب عند ذلك وقال : لا نشبه نحن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، لو فعلنا نحن هذا لتمندلوننا « 174 » . قال الشيخ أبو الحسن الفقيه : دخلت يوما على الشيخ أبي إسحاق فلما رآني أقبل عليّ وقال لي : اذهب الساعة [ ف ] أخرج « 175 » الدم « 176 » ، فتوانيت ، فصاح عليّ وقال : لا بدّ لك من خروج الدم ، فإن كان يمنعك من خروجه اللّحم فاللّحم عندنا . قال : فمضيت في الوقت فأخرجت الدم ، ووجه إليّ الشيخ ربع شاة ، فلما كان بعد ذلك مضيت إليه فقال لي : يا بنيّ الحمد للّه ربّ العالمين لو لم تخرج الدم لجرى عليك حادث عظيم . قال : وجئت بالدراهم معي ثمن الربع ، فمددت يدي بالدراهم فقال لي ما هذا يا أبا الحسن ؟ فقلت له - أصلحك اللّه تعالى - : حق الربع شاة ، فوقع على قلبه من ذلك أمر عظيم وقال : إنما وجهته إليك على سبيل الهدية ، فاحبس دراهمك فلو كان عندك أنت أيضا شيء ووجهت إلينا منه لقبلناه ، فقلت له - أصلحك اللّه عزّ وجلّ - - : أنت لا تصل إلى اللّحم إلّا بعد التعب والبحث ، فحوّل وجهه إليّ وقال : يا أبا الحسن لو كانت فيه « 177 » شبهة لعرفناها .

--> ( 172 ) سقطت من ( ب ) . ( 173 ) في ( ق ) : شيئا من . والمثبت من ( ب ) . ( 174 ) في الأصلين : لتمندلونا . والمثبت من ( م ) . وفي المصباح ( ندل ) : تمندلت بالمنديل : تمسحت به . ( 175 ) في ( ق ) : أخرج . وحرف الفاء أضفناه من ( ب ) . ( 176 ) عملية اخراج الدم من الرأس هي ما عرف عند العرب بالحجامة وتعتبر طريقة من طرق المعالجة والمداواة ( المعجم الوسيط : حجم ) . ( 177 ) في ( ب ) : فيها .